طنجة24_أنسنة عقوبة الإعدام - د.هشام بوحوص




أنسنة عقوبة الإعدام

د.هشام بوحوص
أضيف في 3 يناير 2017 الساعة 13:00

ثار نقاش مجتمعي كبير  في السنوات الأخيرة حول عقوبة الإعدام، أدى إلى انقسام مجتمعي واضح بين ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول يوصف بالمتحرر المدافع عن الحقوق والحريات وفي مقدمتها الحق في الحياة باعتباره أسمى الحقوق الذي ترفعت عنه باقي حقوق الإنسان ينادي بإلغاء عقوبة الإعدام من التشريع المغربي تماشيا مع البروتوكول الاختياري للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسة الذي لم تصادق عليه المملكة المغربية، وهو بروتوكول غير ملزم للدول. وكذا الفصل 20 من الدستور الحالي.

الاتجاه الثاني يوصف وبالمحافظ ينادي بضرورة الإبقاء على عقوبة الإعدام وتوسيع نطاق العمل بها في بعض الجرائم الخطيرة، والحال أن المغرب لم يلتزم شأنه شأن سائر الدول العربية بما جاء بالبروتوكول الاختياري الثاني الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسة الصادر سنة 1989، والذي أوصى الدول الموقعة بإلغاء عقوبة الإعدام، ناهيك أن السياسة العقابية الحديثة للمغرب في هذا المجال، تجد تبريرها في عدة اعتبارات واقعية، نابعة من خصوصيات الانتماء العربي والإسلامي والإفريقي، وميل ملحوظ للرأي العام نحو بقاء هذه العقوبة، بالرغم من الانتقادات الموجهة إليها.

الإتجاه الثالث يمكن وصفه بالعقلاني يدعو إلى التدرج والحكمة والتوافق وينبني على رؤية شمولية لتحقيق المقاصد المتوخاة من كل إصلاح  في أفق إنضاج الحوار المجتمعي حول عقوبة الإعدم، ينادي بالتقليص التدريجي لعقوبة الإعدام وألا تبقى إلا في الجرائم الخطيرة جدا، مع إحاطتها بكافة الضمانات الضرورية للمحاكمة العادلة وأنسنة ظروف تنفيذها داخل المؤسسات السجنية.

والحقيقة أن موضوع عقوبة الإعدام يثير الكثير من التساؤلات والإشكالات على مستوى السياسة العقابية المغربية في ارتباطها مع منظومة حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها دوليا ومن جملة هذه التساؤلات  :

هل عقوبة الإعدام تتنافى مع الحق في الحياة المنصوص عليه في الفصل 20 من الدستور المغربي والاتفاقات الدولية؟ وما الفرق بين الإعدام في نطاق القانون والإعدام خارج نطاق الشرعية؟ وهل يمكن الحديث عن أنسنة عقوبة الإعدام في التشريع المغربي بالرغم من كونها توصف بالعقوبة الوحشية واللاإنسانية لاسيما وأن مظهرها يعطي للسلطة التي تمارسها صفة عنيفة وثأرية تتعارض مع التصرف العادل ؟

 أولا: الحق في الحياة لا يتنافى مع عقوبة الإعدام في الاتفاقيات الدولية

ما يلاحظ من خلال استقراء مختلف الاتفاقيات الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية وكذا الدستور المغربي لسنة 2011 وخاصة الفصل 20 أنها وإن كانت قد نصت على مبدأ الحق في الحياة فإنها مع ذلك لم تجعل من عقوبة الإعدام مناقضة لهذا الحق.

 فالمادة 6 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسة تنص في فقرتها الأولى على أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان وعلى القانون أن يحمي هذا الحق ولا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفا. تم جاءت الفقرة الثانية من نفس المادة لتوضح شروط فرض عقوبة الإعدام، حيث نصت على أنه لا يجوز في البلدان التي لم تلغ عقوبة الإعدام أن يحكم بهذه العقوبة إلا جزاء على أشد الجرائم خطورة وفقا للتشريع النافذ وقت ارتكاب الجريمة..

وهو التفسير الذي ذهبت إليه لجنة حقوق الإنسان في تعليقها العام رقم 6 على المادة المشار إليها أعلاه المتعلقة بالحق في الحياة، حيث جاء فيه:  "مع أنه يستنتج من المادة 6-2 و6-6 أن الدول الأطراف ليست ملزمة بإلغاء عقوبة الإعدام إلغاء تاما، فإنها ملزمة بالحد من إستخدامها، ولاسيما بإلغاء الحكم بها إلا في حالة ارتكاب "أشد الجرائم خطورة" لذلك ينبغي لها أن تفكر في إعادة النظر في قوانينها الجنائية في ضوء ما سبق، وهي ملزمة، على أية حال، بقصر تطبيق عقوبة الإعدام على أشد الجرائم خطورة"، وقد فسرت اللجنة لاحقا الجرائم الأشد خطورة على أنها "الجرائم المتعمدة التي تسفر  عن نتائج مميتة أو نتائح بالغة الخطورة" واعتبر المقرر الخاص المعني بحالات الإعدام خارج نطاق القانون أو بإجراءات موجزة أو الإعدام التعسفي، أنه ينبغي أن تعتبر لفضة "المتعمدة" معادلة لسبق الإصرار وينبغي أن تفهم على أنها نية القتل العمد.

 ثانيا: الحق في الحياة لا يتنافى مع عقوبة الإعدام في الدستور المغربي

الدستور المغربي الجديد لسنة 2011 بتنصيصه  في الفصل 20 على أن الحق في الحياة هو أول الحقوق لكل إنسان، وأن القانون يحمي هذا الحق، يكون قد أذكى النقاش المجتمعي الدائر حول مستقبل عقوبة الإعدام في المغرب، لكن ما المقصود بالحق في الحياة؟ وهل يمكن إعتبار الفصل 20 من الدستور قد وضع أساسا كإطار لإلغاء عقوبة الإعدام؟.

الحق في الحياة مفهوم فضفاض وغامض يحتمل أكثر من دلالة ومعنى، وللأسف الشديد لا  نتوفر على الأعمال التحضيرية للوثيقة الدستورية وهي أعمال لا غنى عنها للفقه والقضاء،  من أجل البحث عن الإرادة الحقيقية للمشرع الدستوري.

والتساؤل المطروح هل الحق في الحياة هو حق دستوري مطلق لا يقيده قيد، يفيد حماية حياة الأفراد بمن فيهم من يرتكب الجريمة وكيف ما كانت خطورتها، وبالتالي لا حق للدولة أن تقتل المجرم ولو تنفيذا لحكم قضائي، أم أن الحق في الحياة هو حق نسبي يمكن تقيده في حالة ارتكاب جرائم خطيرة جدا وبشعة، انطلاقا من مبدأ حق الدولة في العقاب.

يمكن القول، إنطلاقا من التفسير الموضوعي للفصل 20 من الدستور أن  الحق في الحياة هو الأصل والقاعدة، وكل عارض على هذا الأصل من الواجب النص عليه قانونا، والحكم به قضاء، ليقبل كقيد على الحق في الحياة من طرف المجتمع. وأعتقد من وجهة نظري الخاصة أن عقوبة الإعدام في نطاق القانون لم تحظر بموجب الدستور المغربي لسنة 2011، وأن المقصود بالحق في الحياة في الفصل 20 هو حظر الإعدام خارج نطاق الشرعية أي الإعدام التعسفي.

 ثالثا: الحق في الحياة يتنافى مع الإعدام خارج نطاق القانون

الإعدام خارج نطاق القانون أو خارج نطاق القضاء أو الإعدام التعسفي أي الإعدام بدون محاكمة، يعتبر عملا إجراما خطيرا يخالف مبادئ حقوق الإنسان خاصة الحق في الحياة، وينبغي حظره حتى في الحالات الاستثنائية، مثل عدم الاستقرار السياسي أو الحرب أو حالات الطوارئ أو حالات النزاع المسلح الداخلي، كما أن مبادئ المنع والتقصي لعمليات الإعدام خارج نطاق القانون والإعدام التعسفي والإعدام بدون محاكمة الصادرة عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي التاسع للأمم المتحدة بتاريخ 24 ماي 1989 : تطالب الحكومات بفرض رقابة على الموظفين المكلفين بإنفاذ القانون ومنع الرؤساء والسلطات العامة من إصدار أوامر لتنفيذ الإعدام التعسفي دون محاكمة، وتكفل لأي شخص الامتناع عن الامتثال لهذه الأوامر.

ولم تكتفي المبادئ المذكورة بهذا القدر من التوصيات بل دعت الحكومات إلى محاكمة الأشخاص الذين ثبت في حقهم المشاركة في عمليات الإعدام خارج نطاق القانون، وأعطت الحق لأسرة ضحايا الإعدام خارج نطاق الشرعية وذوي حقوقهم في  الحصول على تعويض عادل.

اما الإعدام في نطاق القانون أي في نطاق الشرعية والذي لا يتعارض مع الحق في الحياة هو حينما يصدر عن جهة قضائية وموجب القانون النافذ عن وقت ارتكاب الجريمة، وذلك وفقا لأحكام الدستور والقانون الجنائي، وهو ما ذهبت إليه الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان والحريات الأساسية، إذ نصت في المادة 2 منها المتعلقة بالحق في الحياة على أن : "القانون يحمي حق كل إنسان في الحياة، ولا يجوز إعدام أي إنسان عمدا إلا تنفيذا لحكم قضائي بإدانته في جريمة يقضي فيها القانون بتوقيع هذه العقوبة".

كما تبنت الاتفاقية الأمريكية لحقوق الإنسان في مادتها الرابعة نفس التوجه من خلال تنصيصها على أنه: "لا يجوز في البلدان التي لم تلغي عقوبة الإعدام أن توقع هذه العقوبة إلا على أشد الجرائم خطورة وبموجب حكم نهائي صادر عن محكمة مختصة ووفقا لقانون ينص على تلك العقوبة، ويكون نافذا قبل ارتكاب الجريمة".

يستنتج مما سبق أنه لا يوجد في الاتفاقيات الدولية ولا في الدستور المغربي ما يوجب إلغاء عقوبة الإعدام، إلا ما يخص البروتوكول الاختياري الملحق بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية وهو بروتوكول غير ملزم للدول، غير أنه تم التأكيد في القانون الدولي أنه في حالة عدم الإلغاء من الواجب وضع ضوابط وشروط لتطبيق عقوبة الإعدام.

 رابعا: أنسنة عقوبة الإعدام

يقصد بأنسنة العقوبة الجنائية عموما، ألا يكون للعقوبة أثر سالب لكرامة الإنسان. فليس لكون الفرد قد هوى في طريق الجريمة أن يعاقب ويعامل بما يهدر كرامته وأدميته. وعلى هذا أكدت المادة الخامسة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان حينما نصت على أنه "لا يجوز إخضاع شخص للتعذيب أو لعقوبات قاسية أو غير إنسانية أو حاطه بالكرامة"، وهذا ما أشارإليه الدستور المغربي في الفصل 22 حيث جاء فيه " لا يجوز المس بالسلامة الجسدية أو المعنوية لأي شخص، في أي ظرف، ومن قبل أي جهة كانت، خاصة أو عامة. 

  لا يجوز لأحد أن يعامل الغير، تحت أي ذريعة، معاملة قاسية أو لا إنسانية أو مهينة أو حاطة بالكرامة الإنسانية.   ممارسة التعذيب بكافة أشكاله، ومن قبل أي أحد،جريمة يعاقب عليها القانون. ".

كما أنه ليس من المعقول؛ في الوقت الذي تسهر فيه الدولة على مواجهة الإجرام أن تتخذ مناسبة فرض العقوبة أو تنفيذها ذريعة للحث على الإجرام. فلا يجوز مثلا أن يحكم على شخص بالتعاطي للفساد... كما لا يقبل أن تستغل مناسبة تنفيذ العقوبة على الجاني لتسخيره أو استغلاله لأغراض أخرى. إن القانون ملزم بحماية المحكوم عليه ضد الدولة التي لاحق لها في معاملته بطرق لا إنسانية. إن ارتكاب الجاني لفعل جرمي يعاقب عليه القانون، لا يعطي للدولة كل الحقوق على الجاني ولا يفقد هذا الأخير إنسانيته التي يجب على الدولة أن تسهر على ضمانها واحترامها.

لكل هذه الأسباب فإن عقوبة الإعدام في التشريع المغربي تحظى بتنظيم خاص، كما أنها مؤطرة بمجموعة من الضوابط والضمانات سواء الموضوعية أو الشكلية:

 1-     اعتماد جسامه الجريمة معيارا لعقوبة الإعدام

أخذ المشرع المغربي بما دعت إليه المواثيق الدولية من عدم وجوب تقرير تلك العقوبة إلا جزاء للجرائم الشديدة والجسيمة، حيث يلاحظ من خلال مسودة مشروع القانون الجنائي التقليص من عقوبة الأإعدام في عدد من الجرائم، وإقتصار هذه العقوبة فقط على الجرائم الخطيرة والبشعة، مع تخفيض عدد المواد التي تعاقب بالإعدام، من أصل 31 مادة كانت تنص على عقوبة الإعدام في مجموعة القانون الجنائي إحتفظت مسودة مشروع القانون الجنائي على 8 مواد، مع إضافة 3 مواد جديدة متعلقة بالجرائم القانون الدولي الإنساني ليصبح عدد المواد التي  تنص على عقوبة الإعدام 11 مادة، وهو ثلث عدد العقوبات الإعدام التي كانت مقررة في مجموعة القانون الجنائي موضوع المراجعة.

 وتتحدد الجرائم المعاقب عليها بالإعدام في القانون الجنائي في الجرائم الخطيرة جدا، وهي جرائم القتل المشدد، بعض الجرائم الإرهاب، جرائم القتل المشدد المرتكبة في إطار القانون الدولي الإنساني، بعض جرائم المس بأمن الدولية الداخلي والخارجي.

2-     الإعدام في نطاق الشرعية

تطبيق عقوبة الإعدام في المغرب لا يتم إلا في نطاق القانون النافذ وقت ارتكاب الفعل الجرمي، وبناءا على حكم قضائي قطعي صادر عن محكمة مختصة، وعدم جواز الحكم بالإعدام على القاصر دون سن 18 سنة، مع استثناء المرأة الحامل من التنفيذ إلا بعد سنتين من وضع حملها، وجواز التماس منح العفو بشأن عقوبة الإعدام أو استبدالها بعقوبة أخرى، كما لا يمكن تنفيذ عقوبة الإعدام إلا بعد رفض طلب العفو وبأمر من وزير العدل وذلك خلافا لباقي الأحكام الجنائية التي تنفذ بمسعى لنيابة العامة.

 3-     أنسنة ظروف إعتقال المحكوم عليهم بالإعدام

في بعض الدول التي ما زالت تطبق عقوبة الإعدام، فإن الفترة التي تسبق تنفيذها تشكل بصورة منهجية معاملة قاسية ولا إنسانية ومهينة؛ عزلة تامة في زنازين انفرادية، وقلقل لعدم معرفة يوم تنفيذ عقوبة الإعدام وغياب الاتصال بالعالم الخارجي بما في ذلك أفراد العائلية والمحامي أحيانا. فيما يطلق عليه بعنابر الموت، إذن، الظروف التي تسبق تنفيذ عقوبة الإعدام تمس حقيقة الكائن البشري، كما أن الظروف التي يتم فيها النطق بالحكم بالإعدام، تمس أيضا بالحقوق الأساسية للدفاع.

أما في التشريع المغربي ولأن الأمر يتعلق بفئة من المحكوم عليهم خصهم المرسوم التطبيقي للقانون المنظم للمؤسسات السجنية بنظام خاص، فأجاز ترحيلهم إلى مؤسسات تتوفر على حي معد لهذه الفئة من المعتقلين بمجرد النطق بالحكم، وأخضعهم لنظام الاعتقال الإنفرادي حسب الإمكان، مع التنصيص على ضرورة إيلاء هذه الفئة من المحكوم عليهم عناية خاصة تمكن من دراسة شخصيتهم وتتبع حالتهم النفسية والحفاظ على توازنهم لتفادي كل محالة هروب أو انتحار او إضرار بالغير، كما سمح لهم نفس المرسوم بمزاولة بعض الأشغال بعد استشارة الطبيب والمشرف الإجتماعي، وكذا الاستفادة من زيارة أفراد عائلتهم، وأولياء أمورهم وأصهارهم والاتصال بدفاعهم بحرية في قاعة معدة لهذه الغاية.

ونظرا لما يمكن أن يوقعه قرار رفض طلب العفو في نفسية المحكوم عليه فقد منع المشرع تبليغه إلى المحكوم عليه بالإعدام.

4-     ضوابط تنفيذ عقوبة الإعدام

ينص القانون المغربي على تنفيذ عقوبة الإعدام عن طريق الرمي بالرصاص من طرف السلطات العسكرية بطلب من النيابة العامة بعد أمر من وزير العدل، ويقع التنفيذ داخل المؤسسة السجنية التي يوجد بها المحكوم عليه معتقلا أو في أي مكان أخر يعينه وزير العدل، ولا يكون التنفيذ علينا إلا إذا قرر وزير العدل ذلك، وفي كل الأحوال تحضر عملية التنفيذ، بعض السلطات والأشخاص من بينهم قاض من الهيئة التي أصدرت الحكم وعضو النيابة العامة وقاض للتحقيق وكاتب للضبط ومحامو المحكوم عليه ومدير السجن ورجال الأمن الوطني أو الدرك الملكي المكلفين من طرف النيابة العمة وطبيب نفسي وإمام وعدلان.

ويعلق محضر التنفيذ لمدة 24 ساعة بباب المؤسسة السجنية التي وقع فيها أو بباب البلدية إذا وقع التنفيذ في مكان أخر، ولا يمكن للصحافة نشر بيانات عن التنفيذ غير ما تضمنه المحضر.

وتسلم جثة المحكوم عليه لدفنه في غير علانية إذا طلبوا ذلك، وإلا فتقوم السلطات العمومية بدفنه بمسعى من النيابة العامة.

 5-     التفريد التشريع والقضائي لعقوبة الإعدام

ما يلاحظ أن القضاء المغربي يتعامل مع عقوبة الإعدام بالكثير من التريث والاتزان والحكمة، حيث ينهج سياسة قضائية قوامها التقليص والحد من الأحكام الصادرة بالإعدام، إذ يقل المعدل السنوي للأحكام الصادرة بالإعدام عن عشرة أحكام كل سنة، صدرت جميعها في جرائم قتل عمد فضيعة وجرائم إرهابية مقترنة بالدم.

وقد أعطىى المشرع المغربي للمحكمة صلاحية تمتيع المتهم بظروف التخفيف وتطبيق عقوبة السجن المؤبد أو السجن من عشرين سنة إلى ثلاثين سنة ما لم يوجود نص قانوني مانع، إذا ما تبين لها أن عقوبة الإعدام عقوبة قاسية بالنسبة لخطورة الأفعال المرتكبة من طرف المتهم أو بالنسبة لدرجة إجرامه.

كما أوجد إمكانية تشريعية تتيح للمحكمة تعويض عقوبة الإعدام أو تحويلها أو  تخفيضها أو استبدالها حسب الأحوال، كما هو الشأن بالنسبة لإستبدال عقوبة الإعدام بعقوبة تتراوح بين عشرة سنوات أو خمس عشر سنة سجنا بالنسبة للأفعال المنسوبة للأحداث.

وبالموازاة مع ذلك وعلى طريق إقرار بعض الضمانات الإجرائية المصاحبة للحكم بعقوبة الإعدام جعل التحقيق إلزاميا في الجنائيات المعاقب عليها بهذه العقوبة، كما تضمن مشروع قانون المسطرة إلزامية النطق بعقوبة الإعدام بإجماع كافة القضاة الذين تتشكل منهم هيئة الحكم.

يلاحظ من خلال ما سبق بأن المشرع المغربي وسع من نطاق الظروف القضائية المخففة والأعذار القانونية إلى درجة أدخلت الكثير من المرونة على سياسة العقاب بوجه هام، وعلى عقوبة الإعدام بوجه خاص، بحيث أن الحكم بعقوبة الإعدام، موكول في أغلب الحالات لتقدير القضاة.

هذه السياسة العقابية المرنةـ التي يسلكها المشرع والقضاء في التعامل مع هذه العقوبة، هي التي تفسر العدد المنخفض لحالات الحكم بالإعدام، يضاف إلى ذلك، التنفيذ المحدود لأحكام الصادرة بهذا الشأن، ومفعول نظام العفو.

وتدل الإحصائيات الرسمية، على أن هناك ميل نحو الحد من عقوبة الإعدام، سواء فيمايخص عدد الأحكام الصادرة، أو العدد المنفذ منها، حيث يقتصر التنفيذ على بعض الجرائم التي تكتسي نوعا من الخطورة.

6-     دور العفو الملكي في تحقيق التوازن للسياسية العقابية المغربية

العفو كمصدر للرأفة والرحمة والصفح يلعب دورا هاما في إعادة التوازن للسياسة العقابية المغربية، فتكرار مبادرة العفو الملكي في حق المحكوم عليهم بالإعدام وعدم تنفيذ هذه العقوبة في المغرب منذ 1993 هو بمثابة إلغاء واقعي لعقوبة الإعدام.

على  العموم يمكن القول بأن السياسة العقابية للمملكة المغربية تبقي  على عقوبة الإعدام في الجرائم الخطيرة والبشعة فقط، مع الحد من حالات الحكم والتنفيذ، أو بتعبير أدق المغرب ينهج سياسة الحل الوسط، وهو حل يقوم على الحد من العقوبة عوض إلغاءها كليا أو التوسع في استخدامها في أفق إنضاج الحوار المجتمعي.

 



تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

1- NO COMMENT

فليطوز

قبل الخوض في عقوبة الاعدام , علينا الخوض في اصلاح من يصدر هذه العقوبة  ( القاضي. ج . القضاة  ) . القضاة عندنا فاسدون حتى النخاع . ريثما يصلح امر القضاة , انذاك امكن ان نتحدث ونناقش امر عقوبة الاعدام .

في 05 يناير 2017 الساعة 30 : 18

أبلغ عن تعليق غير لائق




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا

قوة التغيير - فيصل العمراني

أذكروا ولاتـــكم بخير.. !! - محمد سدحي

انحســــــار السياســـــــــة - عبد القادر زعري

قوة التغيير 2 - فيصل العمراني

هل تعود طنجة سياحية ؟ - خالد الرابطي

الوزير الخلفي يصب "الخل" في... !! - محمد سدحي

مساجد المشاكل ومشاكل المساجد - يوسف شبعة

أسرى العهد الجديد - حمزة البقالي

"نوض تقرى" وبجانبها أشياء أخرى.. - يوسف شبعة

هل تحتكر الأحزاب السياسية ممارسة السياسة ؟ - عبد القادر زعري