طنجة24_من برشلونة أناديكم - رضوان بنصار



من برشلونة أناديكم

رضوان بنصار
أضيف في 22 دجنبر 2017 الساعة 18:43

شاءت الأقدار ، كأي شاب في مقتبل العمر ، أن أجد نفسي أُعانق نسيم حضارة،  طالما أسالت لعاب كل شاب تواق للعيش في بيئة متحررة من  كل القيود الاجتماعية،  شاب يحلم بغد مشرق مليء بالمفاجآت السارة ، شاب يطمح إلى استشراف المستقبل وكله أمل أن يجود عليه الزمان بحياة فردوسية، لا يأتيها العوز والفقر، لا من هنا، ولا من هناك، فحين رست بي سفينة النجاة، في نظري، بمرسى الجزيرة الخضراء “ الخُزِيرات“ ، تبادر إلى ذهني منذ الوهلة الأولى ، أن الطريق المؤدي  إلى مدينة “برشلونة“ الاسبانية سيكون مفروشا بالورود ، أما العملة النقدية من نوع “ الأُورُو“  فَسأعثر عليها بشكل مُستفز بمجرد ثنيي للطريق ، أو أنني سأُقذفُ بها من طرف الأجنبي ،الذي نفذ صبره من طول الانتظار، ليعانقني كما تعانق وتحضن الأم وليدها، ولكن مع الأسف، هذه كلها أوهام كانت تراودني منذ أن يممت وجهي صوب“ قُنصلية اسْبانيُول “، من أجل الحصول على تأشيرة مرور، لعلها تقذف بي  إلى الضفة الأخرى، وتبعدني كل البعد عن شبح البطالة الذي صار يطاردني ويلاحقني بين دروب وأزقة طنجة ، وحتى بين أقراني وأهلي، مع العلم أنني لم أذق طعمها الشبيه بالعلقم إلا لبضعة شهور ، ومع ذلك كنت دائما أرى بأم عيني حالات من الطلبة الموجزين العاطلين عن العمل، يلصقون مؤخراتهم بكراسي المقاهي لمدة أربعة وعشرين ساعة، متحدين بذلك حركات عقارب الساعة ، منهمكين في نقاشات ثورية بطولية لا تسمن ولا تغني من جوع، أو يشرعون في مغازلة الصحف الورقية، لعلها تجود عليهم قصاصاتها بمقالات تشفي غليلهم وحقدهم الدفين على السياسة والسياسيين المغاربة، الذين ساهموا بعجرفتهم وعشقهم الجنوني لمناصبهم ولمصالحهم ، في تردي الأوضاع الاجتماعية و...و...،على حد تخمينهم وإحساسهم ، بالإضافة إلى دخولهم في تحدٍّ ثقافي وهمي فيما بينهم ، من خلال ملء الكلمات المتقاطعة، التي تمثل لهم طوق نجاة، في حالة ملئها وفك طلاسمها، فيظلون على هذا الحال إلى أن يرخي الليل سُدُوله ، وبالتالي تصير الصحف الورقية التي أحكموا قبضتهم عليها لمدة زمنية غير محددة، كالرغيف المبلل بالزيت، أما كأس الشاي المنعنع أو القهوة السوداء ،أو ما يصطلح عليهما باللهجة الطنجاوية“ الدَّكَّة “ التي بسببها يضمنون لأنفسهم حق الجلوس على كرسي المقهى، محافظين بذلك على ماء وجههم، تصبح عرضة لكل العوامل المناخية التي يكون المقهى تحت رحمتها ، وهنا أقصد دخان السجائر الذي يُحدث سحابا يلف كل مكونات المقهى، وفي بعض الأحيان قد تفرز هذه السحب مطرا أو عرقا ، سميه ما شئت، كما تتعرض هذه “الدَّكَّة “ للتسخين وإعادة التسخين لمرات عدة في حركة موازية لعقارب  الساعة ، إلى أن تصبح قابلة للاشتعال ، نظرا للتركيز الفيزيائي والكيميائي الذي يتشكل في قعر الكأس، فهذا هو حال بعض الطلبة و الدكاترة المعطلين الذين عاصرتهم في الفترة التي كان فيها باب التوظيف مُقفلا ومُشمَّعا لأجل غير مسمى، إلى أن هبت رياح الربيع العربي، حاملة معها أسلحة الدمار الشامل التي نسفت العديد من الكراسي الرئاسية ، وتمثلَ هذا الريح  في الثورة الشعبية الانتقامية التي قادتها الشعوب في العديد من الدول العربية، التي عانى مواطنوها من جور وظلم الحكام، فتلخصت مطالبها وأهدافها في الدفاع عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمواطنين، وبطبيعة الحال، لم يسلم بلدنا المغرب من رياح الشرقي التي خلفت هزات سياسية واجتماعية واقتصادية...كان لها الأثر الايجابي في تحريك بركة التوظيف الآسنة لعقود، ومعها قطاعات أخرى كانت في سبات عميق، وفي ظل تلك الأزمة الاجتماعية التي أشرتُ إليها في البداية ، راودني حلم الهجرة ، أو بالأحرى أقول حاولت التخلص من بعض العقد النفسية التي كانت قد تصيب فؤادي، جراء مجالستي ومحاكاتي لسلوكيات الطلبة المجازين العاطلين عن العمل، فبمجرد أن وطأت قدماي أرض المهجر بدأت المعاناة، وتبخرت الآمال، وامتزج الحلم بالواقع، إلى أن نشب صراع عنيف بينهما، والأصعب من هذا كله حين يُلاحقك ويُطاردك في سفرك، كل من حزن ألم الفراق و انعدام التوفيق، وهذا راجع إلى عدم رضا وموافقة الوالدة على هذه الهجرة الغير المبررة، فكانت دائما تحفزني على استثمار إمكانياتي الذاتية والمعرفية، المرتبطة بالشواهد العليا التي حصلت عليها طيلة مساري الدراسي، داخل أرض الوطن وليس خارجه، بالإضافة إلى كونها أرملة، كانت ترى في شخصي ، باعتباري آخر العنقود ، وباقي إخوتي، بطبيعة الحال، السند والدرع الواقي لها ، تأهبا، وفي نفس الوقت، توجسا، من  تقلبات الدهر وإكراهاته، ومع ذلك كان لي رأي آخر ، وهو إرضاء نفسي أولا ، باعتباري شاب يافع يحلم بمستقبل زاهر يتلخَّص في ضمان سكن فاخر ، وسيارة فارهة، ورصيد بنكي محترم ،وثانيا تحقيق النماء والازدهار لأسرتي المتواضعة ، ولكن قد تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن ، بحيث سيصير نهار وصيف برشلونة بالنسبة إلي كليلها،لأن السواد والحلكة ظلتا سمتهما الطاغية  التي ميزتهما طيلة مدة إقامتي هناك، والتي لم تتجاوز السنة تقريبا ، كأن الجمال والحسن والرفاهية، كلها مفردات وتعبيرات سقطت  من القواميس اللغوية ، بمجرد أن تبلل خذ والدتي الطاهر حزنا وكربا على فراقي الجارح، ومن هنا ستبدأ مرحلة المعاناة النفسية والجسمانية ، التي تكبدت فيها خسائر جمة، حتى كدت أن أفقد فيها رضا الله المرتبط برضا الوالدين ، فالحديث ما زال طويلا ، وكما يقال المصائب لا تأتي فرادى.....

فمن برشلونة سأناديكم ، وسأتقاسم معكم الحلو ، المتمثل في الصدر الحنون الذي تلقفني وضمني منذ الوهلة الأولى، وهو أختي أطال الله في عمرها ،وأمدها بالصحة والعافية ، أما المر أو الحنظل، تجرعته وأنا أحاول أن أفرض ذاتي، دون أن أُعرِّض كرامتي للتجريح ، في أرض ظننت أنها الوطن والأم... يتبع...

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا

قوة التغيير - فيصل العمراني

أذكروا ولاتـــكم بخير.. !! - محمد سدحي

انحســــــار السياســـــــــة - عبد القادر زعري

قوة التغيير 2 - فيصل العمراني

هل تعود طنجة سياحية ؟ - خالد الرابطي

الوزير الخلفي يصب "الخل" في... !! - محمد سدحي

مساجد المشاكل ومشاكل المساجد - يوسف شبعة

أسرى العهد الجديد - حمزة البقالي

"نوض تقرى" وبجانبها أشياء أخرى.. - يوسف شبعة

هل تحتكر الأحزاب السياسية ممارسة السياسة ؟ - عبد القادر زعري