طنجة24_دروس وعبر - ذ.رضوان بنصار




دروس وعبر

ذ.رضوان بنصار
أضيف في 6 فبراير 2017 الساعة 12:06

في كثير من الأحيان تجد بعض الأشخاص الذين ولدوا وترعرعوا في بيئة أو أحياء شعبية، التي كانت تنعدم بها أبسط شروط الحياة ،بمجرد ما تتاح لهم فرصة الارتقاء في السلم المهني والاجتماعي ، وخصوصا عندما يخالطون عينة أخرى من المجتمع التي تعودت التخاطب بأنوفها وليس بأفواهها ، يشرعون في انتقاد ذواتهم ، والحضن الأسري الذي احتواهم ،والتنكر لماضيهم ولثقافتهم الشعبية التي كان لها الأثر الايجابي في تنشئتهم أحسن تنشئة.فمن بين  الأسئلة التي تفرض نفسها بإلحاح في هذه التوطئة، وفي هذا الموضوع إجمالا ،هي كالتالي: لماذا يود بعض الأشخاص إحداث قطيعة بين ماضيهم وحاضرهم ؟ ، لماذا تجدهم ينعتون أحياءهم وقاطنيها  بنعوت قدحية؟ ، لماذا لا تسعفهم مكانتهم الاجتماعية والمهنية المتميزة حاليا ،إلى إسداء خدمات جليلة لساكنة الأحياء الشعبية التي طلقوها بالثلاث؟

فهناك من الأهالي من هجر هذه الأحياء بلا رجعة إلى عالم العزلة والوحدة المقززة المتمثلة، إما في المباني الاقتصادية  الشبيهة بعلب السردين ،التي ينطوي كل ساكنيها على أنفسهم، ويكاد يصير الأمر فيه  في بعض الأحيان، شبيها بزنزانة سجن “عكاشة“ أو “ساتفيلاج“، وهناك من يلجأ إلى تل أو هضبة يشيد فوقها “ فيلا “ أو ما شابه ذلك ، حيث يضرب حصارا على كل مداخل ومخارج  هذا المسكن الفسيح، وحتى المحيط الخارجي ،إما بواسطة أجهزة حمائية حيوانية“ كالكلاب “مثلا ،أو بشرية كحراس الأمن ، بالإضافة إلى أجهزة المراقبة الإلكترونية وصفارات الإنذار،مع العلم أنه كان في غنى عن كل هذه المعدات وأجهزة المراقبة حين كان مقامه بتلك الأحياء الشعبية ، التي كانت أبواب مساكنها تظل مشرعة صباح مساء في وجه الجيران والأهل والأحباب ،دون أن يتم استباحتها أو التطاول على ممتلكاتها، أو ترويع قاطنيها، حقيقة قد نستبعد حدوث هذا الأمر اليوم، في ظل وجود خليط وفسيفساء من السكان الذين تكدسوا في كل المدن الصناعية المغربية الكبرى ،من بينها طنجة ، التي أضحت بعض أحيائها الشعبية، بسبب استقطابها ليد عاملة مهمة، ملجأ ومستقرا لكل هارب وفار من العدالة ،أو متعاط لكل أشكال المخدرات،حيث انعدم الأمن والسكينة في جل هذه الأحياء،ولكن هذا لا يعني أننا سنسَلِّم بهذا الواقع المر، والغير المطمئن الذي أصبح يميز أحياءنا الشعبية ، إنما علينا أن نعيد الاعتبار لمسقط رؤوسنا، كل من موقعه وحسب دائرة اختصاصه، لتغيير ملامح البؤس والتخلف التي خيمت على دروبنا وأزقتنا في وقتنا الراهن.

   بالأمس القريب كانت أحياؤنا، وكان جيراننا، سندنَا وملجأنا في السراء والضراء، فلهم أفضال كثيرة علينا ، لا ينبغي أن نتجاهلها أو ندير لها ظهورنا في فترات السخاء والرخاء التي ننعم بها الآن،فأحياؤنا الشعبية مدرسة قائمة بذاتها ،حيث تعلمنا فيها معنى الصبر ومقارعة الأزمات والويلات ،وخصوصا حين كانت تفتقد لأبسط شروط العيش كما سلف ذكره ،حيث الأنوار منعدمة، إلاَّ من نور الله بطبيعة الحال،ومن الماء الشروب إلا ما جادت به العيون والآبار ،أوالسقايات التي كانت تعد  على رؤوس الأصابع ، إذ كانت تفرض على مرتاديها  من سكان الحي المبيت  بجوارها  ليظفروا بسطلين أو بضع قارورات من الماء،وتعلمنا في مدرسة الحي ،  القيم الإنسانية المتمثلة في ثقافة التضامن والتآزر، سواء في الأفراح والأتراح ،حيث كانت تصير كل البيوت بيوتنا وكل الجيران أهلنا وذوينا ،لا نفرق بين هذا وذاك في تقديم الدعم المادي والمعنوي ،كما تعلمنا في مدرسة الحي كذلك، معنى التربية الحقة واحترام الآخر ،حيث كانت مسألة التربية والتنشئة الحسنة ليست حكرا على الأب والأم فقط ، بل كان ينخرط فيها كل سكان الحي ،وهذا ما جعلنا نحترم كبيرنا ونقدره، إذ كنا نرى فيه الأب والأم والأخ الأكبر،فأسلوب تربيته ونصحه اقترنت بأسلوب تربية الأبوين ، في المقابل كنا- نحن الشباب - نعطف على صغيرنا وبنات حينا، ونوفر لهن الحماية الكاملة ،لأننا كنا نضعهن في مقام أخواتنا.

فآن الأوان لنشمر على سواعدنا ولنحاول، قدر الإمكان، أن نعيد البسمة لأحيائنا الشعبية التي يفضل بعض  الأشخاص ،ولاسيما من ضحكت في وجهه الدنيا ولو مؤقتا،كأن يعتلي أحدهم منصبا سياسيا أو إداريا ،أو انتقل إلى مصاف علية القوم فانعدم عنده الضمير الإنساني ،أن ينعت هذه الأحياء“ بالهامشية“ ،فلا وألف لا ،فنحن لن نقبل بهذه النعوت ، بل سنلفت أنظار المسؤولين الذين أوكلت لهم مهمة تدبير الشأن المحلي إلى الوضعية المزرية  التي آلت إليها شوارعنا ودروبنا ،وهذا ليس من باب النيل منهم والإساءة إليهم، ولكن سندعوهم إلى التنقيب داخل بطون هذه الأحياء الشعبية ،لأنها حبلى بالمواهب والطاقات الشابة التي برعت على المستوى الرياضي والفني والإبداعي،كما أنها حبلى بالمشاكل والعلل أيضا،.فيجب أن تكون لنا جرأة الاعتراف بالداء وتشخيصه ،وفي نفس الوقت أن تكون لنا الجرأة ذاتها لانتشال أبناء هذه الأحياء من وحل الإدمان والبطالة، وتأهيلها على جميع المستويات لينعم سكانها بالشروط الضرورية للحياة دون ميز أو إقصاء ، لأن الأحياء الشعبية باختصار منبع إنساني لا ينضب، أو كما يقول المثل العربي الشائع : يوجد في النهر ما لا يوجد في البحر.

ونقول في الأخير للذين يتنكرون لماضيهم ولبيئتهم الاجتماعية المتواضعة التي نشأوا بها ،فلا  معنى ولا طعم لانجازاتكم المهنية والاجتماعية ، حتى وإن امتلكتم الدنيا وما فيها، في ظل وجود هذا التجاهل المقصود .

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا

قوة التغيير - فيصل العمراني

أذكروا ولاتـــكم بخير.. !! - محمد سدحي

انحســــــار السياســـــــــة - عبد القادر زعري

قوة التغيير 2 - فيصل العمراني

هل تعود طنجة سياحية ؟ - خالد الرابطي

الوزير الخلفي يصب "الخل" في... !! - محمد سدحي

مساجد المشاكل ومشاكل المساجد - يوسف شبعة

أسرى العهد الجديد - حمزة البقالي

"نوض تقرى" وبجانبها أشياء أخرى.. - يوسف شبعة

هل تحتكر الأحزاب السياسية ممارسة السياسة ؟ - عبد القادر زعري