طنجة24_ذكريات رمضانية - رشيد بن الحاج



ذكريات رمضانية

رشيد بن الحاج
أضيف في 17 يونيو 2017 الساعة 14:26

كلما حل شهر رمضان إلا وتبرق في نفسي خواطر وذكريات من زمن الطفولة فتتراءى لي بعض الصور والأحداث التي تأبى جذوتها أن تخمد في الذاكرة . وحينما أتصفحها يتوارى عني الحاضر فتهب علي نسمات ندية من الماضي الجميل فلا أملك عقب ذلك إلا أن أنبش في ثناياها و أقرأ آيات مما بقي راسخا فيها من ذكريات الطفولة في رمضان ، وهي الذكريات التي كان عنوانها الركض واللهاث وصفاء الذهن وطيب العيش ...

أذكر أنه حينما كنا أطفالا صغارا كان قدوم شهر رمضان يمنحنا البهجة و يصنع لنا فيضا من المتعة ، إذ كنا نلتئم مساء في شارع " خوسفاط " بوسط مدينة طنجة بعد أن يصافح آذاننا خبر رؤية هلال شهر رمضان ، ثم ما نلبث بعد ذلك ولفرط سرورنا بذلك الخبر أن ننطلق فنجوب بعض الدروب والأزقة المتفرعة عن ذلك الشارع ونحن نتدفق حيوية ونشاطا ، نملأها بالأهازيج والضجيج والمرح والهتافات احتفاء بمقدم الشهر الفضيل . ومن الأهازيج التي كنا نرددها حتى تبح حناجرنا عشية إطلالة هلال الشهر الفضيل أهزوجة " شني غدا ... رمضان ...شني نشربو الحريرة .....". ولعل مما كان يعطر أرجاء وأجواء تلك الأزقة والدروب ابتداء من أول ليالي رمضان خلال تلك الفترة نغمات نافخ المزمار أو ما يسمى "الغياط " أو "الشفاع" الذي كان يصعد ليلا إلى صومعة مسجد الحي فيشدو بمزماره ويطلق أعذب الألحان التي كانت تتهادى إلى كل بيت رخيمة حاملة معها شحنات دافئة تشيع أجواء الأنس والروحانية في قلوب السامعين... أذكر أن عيوننا في تلك الليالي الرمضانية كانت لا تغفو، فكنا نشيح بها عن النوم وكأننا في خصام معه . و كان من عادتنا ونحن صغار أن نرتاد على غرار الكبار في الليالي الرمضانية مسجد الحي الذي كان يزدحم بالمصلين فنؤدي فريضة العشاء وما تيسر من التراويح ثم نخرج ونسير جماعة نخترق الأزقة في غبطة حتى يستقر بنا المقام في ساحة بالحي تضيئها مصابيح باهتة . وهناك كنا نمارس مختلف ألوان اللعب ، على حين كنا ننزوي حين ينالنا التعب في زاوية فنتسامر ونتحادث ونظل على تلك الحال حتى نشهد حضور طبال السحور حيث كنا نسير خلفه نشاركه طوافه الليلي في تضاحك وتصايح وهو يشق بضربات طبله سكون الليل . ولعل مما أذكره بهذه المناسبة أننا كنا نناول الطبال إكرامية نجمعها معا مما كان يتوفر لدينا من مال زهيد ثم نطلب منه أن يقرع طبله على إيقاع أهزوجة " للا عايشة ... إيوالله .... " التي كان يحفظها كل أطفال أحياء وسط المدينة . وأذكر أن الطبال بمجرد ما كان يستجيب لطلبنا كان النشاط يسري في أوصالنا ، فكنا نتحلق حوله ثم نصاحب قرعاته بحركات راقصة وصيحات عالية تخرق آذان النائمين . كذلك كنا نتابع سيرنا خلفه في حيوية ومراح ، يقذفنا زقاق ويتلقفنا زقاق آخر إلى أن يدنو موعد السحور فنفترق ونقفل إلى بيوتنا ثم ما نلبث أن نتناول السحور ونصلي الفجر قبل أن نسلم أنفسنا لسلطان نوم عميق . وكان من عادتنا في تلك الفترة ونحن في ميعة الحيوية أن نصرف أيام رمضان في مزاولة أنشطة متعددة ، وكان الهدف من تكثيف تلك الأنشطة هو التسرية و تزجية الوقت ليس إلا . ولأن الشهر الفضيل كان يتزامن مع فصل الصيف في تلك المرحلة فإن قدرتنا على تحمل ومقاومة الجوع والعطش ونحن صغار كان يشوبها الفتور لاسيما بعد أن يميل ميزان النهار ، غير أن عزيمتنا على إكمال صيامنا كانت تملأ جوانحنا حتى أنه لم يكن الواحد منا يجرؤ على الإذعان أمام سلطان الجوع أو العطش لأن ذلك سيعد مثلبة بالنسبة له .

وبهدف تزجية الوقت ، كنا نجتمع أحيانا في تلك المرحلة بعد العصر في الحي ثم نحمل بعض القنينات الفارغة وننطلق سيرا على أقدامنا في اتجاه غابة "الرميلات " ، حيث كنا نسقي ونجلب الماء من بعض العيون الشهيرة كعين "النخلة" وعين "الرندة" وعين" للا ينو" . ولأننا كنا نطوي الطريق مجتمعين فإننا لم نكن نعبأ ببعد المكان ولا بوعثاء السبيل ، وكنا لا نؤوب إلى بيوتنا إلا قبل مغيب الشمس بعد أن تكل قوانا وينضب ريقنا . كما كنا تارة أخرى ولنفس الهدف نشق طريقنا بعد العصر نحو سوق " دبرا" أو "السوق البراني " الذي كان خلال تلك الفترة يعج بالتجار والمتسوقين ، وكان يحلو لنا أن نسلي أنفسنا بالتجوال فيه ذهابا وإيابا والتلهي بالنظر بمشاهدة المعروضات ومختلف صنوف السلع ، إذ كان يطيب لنا أن نخترق الزحام تحت إيقاع أصوات الباعة ، وكان المكان يعبق برائحة ما لذ وطاب من الحلويات والمشهيات الرمضانية التي كنا ونحن صغار يستهوينا تشمم شذاها . ولم يكن يخلو ذلك الزحام في الكثير من الأحيان من بعض الملاسنات و النزاعات والمشاجرات بين الناس وأزعم أن منسوبها كان مرتفعا في تلك الفترة . ولعل مما كان يستهوينا أيضا بعد صلاة العصر في فترة الطفولة خلال شهر رمضان هو أن نقصد ملعب "الشريف" ، وهو ملعب لكرة القدم ، كان يتواجد على مقربة من ساحة وادي المخازن بمدينة طنجة قبل أن تبتلعه البنايات فيما بعد . وكنا في تلك الفترة نقصده من أجل الفرجة ثم من أجل اللعب في مرحلة لاحقة . و كان ذلك الملعب في تلك الفترة قبلة لأبناء المدينة وملتقى أبصارهم يتوافدون عليه من كل صوب وحدب، وكنا نبكر في القدوم إليه كما كنا نسعد حينما نظفر بموطئ قدم مع الجمهور الذي كان من دأبه أن يحيط بالملعب خلال شهر رمضان إحاطة السوار بالمعصم . والحق أننا كنا في تلك الفترة نستمتع بمشاهدة المباريات الشيقة التي كانت تجمع بين فرق الأحياء فوق أرضه الترابية ، وكنا نحرص على المكوث في الملعب حتى انتهاء أطوار آخر مباراة ، وأحيانا كانت الشمس تباغتنا فتشرع في سحب ردائها عن المدينة ، وعندئذ كنا نبارح المكان في عجلة نحو بيوتنا لتناول الإفطار ، وكثيرا ما كان صوت الآذان يفاجئنا ونحن في الطريق فنطلق سيقاننا للريح نجري ونتواثب في دعة وانشراح من غير أن نلوي على شيء...

إنها بعض الذكريات الرمضانية التي ما تزال تمر على الخاطر مرور الطيف كلما حل شهر رمضان ،وعند مرورها يخفق لها القلب وتتشوق إلى زمنها النفس ، وكيف لا تتشوق النفس إلى زمن لم يكن يحمل ما ينغص صفو البال أو يكدر بهاء الحال . والحق أن تلك الذكريات لا تمثل إلا غيضا من فيض ، أما غيرها من الذكريات المرتبطة برمضان أو بغيره من المناسبات فيبدو أن النسيان قد طوى العديد من صفحاتها بعد أن دارت عجلة الزمان الذي من شيمه أن يجري نحو الأمام ولا يستقر على حال .ولا شك أن بعض المشاهد التي حملتها تلك الذكريات الرمضانية قد اندثر وتوارى واستسلم للذبول بل للفناء ، في حين ما يزال بعضه قائما يغالب هذا الزمن الذي تعددت فيه مظاهر التغيرات الاجتماعية وتهيأت فيه وسائل التكنولوجيا الحديثة . فسقى الله أيام الطفولة في رمضان .

 

 



تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

1- محسن

محسن

عدت بنا يا استاذ الى الزمن الجميل .اين الشفاع واين ملعب الشريف واين العادات الجميلة.

في 17 يونيو 2017 الساعة 30 : 23

أبلغ عن تعليق غير لائق


2- رمضان دار البارود

عبد الكريم حلات

شكرا للأخ رشيد بن الحاج لقد عاد بي مقالك لأكثر من ثلاثين سنة إلى هناك، حيث العمق والمذاق وعبق المدينة القديمة، السوق الداخل، السقايا، أمراح، القصبة، الحافة، الخوصافات... مذاق حياة كان بطعم التضامن والبساطة و الصدق والتقاليد الطنجوية العريقة التي طبعة ساكنة المنطقة، بمختلف أعراقهم وثقافاتهم : جبلي، ريفي، سوسي، تطواني، فاسي، نصراني... كان رمضانها مميزا والعيد فيها عيدان، كان مولدها سمرا وعاشوراها عرسا.
الطفولة فيها ممزوجة بسحر اللحظات التي اختلطت فيها روائح عطور المناسبات، مع الروائح المنبعثة من مطابخ الأزقة الضيقة، فتشكل سمفونية من الألحان قاعدتها طاجين "التاكرة"، وأعمدتها روائح التوابل المطحونة خصيصا للمناسبات، أما رمضان آآآآآه رمضان "دار البارود" روائح الحريرة التي تصفع أنفك من بداية الأزقة الضيقة من مدخل "كازا كابيطول" حـتى "دار البرود" هناك في العمق، حين تشتد الأزقة ضيقا، تشتد الروائح انبعاثا، لكن الغريب رائحة بنكهة واحدة ما يعني أن المكونات كانت متشابهة سيدها كما لا يخفى الكرافس البلدي والسمن الذي كانت رائحته تزكم الأنوف، لا أدري اليوم هل تغيرت مكوناته أم هي السنون التي تلاعبت بحاسة شمنا فما عدنا نشتم غير الهم والنكد، أما عن الشباكية وما فعلته بطفولتنا في أزقة الحي فلا يحتاج لتذكير.
وتبقى أكبر ميزة لتلك الأحياء هي الروح الجماعية للساكنة والتي كنا ونحن أطفال نشعر بأثرها من خلال علاقات الجيران والترحاب بالأطفال، حتى "سكايرية" المنطقة كانوا مميزين في تعاملهم مع السكان، الاحترام سيد الموقف بين الجميع. ولن أنسى يوما احترامهم؛ رغم انحرافهم؛ لشهر رمضان، ففي أحد دروب حومة الزيتونة قبيل آذان المغرب بقليل كنت في طريقي وانا ابن العاشرة على ما أذكر إلى بقال الحومة لشراء جوج كراطن ديال الحليب، وكان على شكل هرم، بل هرم فعلا في طراوته و مذاقه الذي كان يصل الحلق ببرودته ونشوته فيسطر في ذاكرة الطفل رعشة حدة مذاق لن ينساه طيلة حياته.
بعد خروجي من البقال رأيت اثنين ممن كنا نسميهم "السكايرية" وهما يتسابان بما تيسر ذكره من دين وملة، وبعض المكملات مما تحت السرة، وطبعا الأم حاضرة كالمعتاد كموضوع رئيسي للسب والشتم ابتداء من رأسها " الراس ديماك " وانتهاء بما تحت سرتها "..." إلا أن الغريب في المشهد العادي ؛المتكرر بين الفينة والأخرى في الأزقة؛ هو أن أحدهم قال للآخر بعد ذكر الدين والملة "وباللاتي حتى يدن المغرب " وقبل الآخر التحدي بعد التلفظ بالمكملات المعروفة، وهو ما شدني إلى انتظار آذان المغرب بدوري لأتمم الفرجة...
"الله أكبر" تعلوا في سماء الجامع الكبير والزاوية، ولعن الدين والملة يعلو في "حومة الزيتونة" وأزقتها، فعلا لقد أتم "السكايرية" صيامهما ووعدهما وسارعا للعراك لقد أفطرا بعد الآذان وليس قبله، أما عن الدين والملة فذاك من اللَّمم، وبعد ما حمى الوطيس فررت من المكان، كما فررنا من المكان كله فيما بعد إلى حيث لا تقاليد ولا روائح ولا حياة، إلى حيث الزمن الرتيب والموت البطيء بطعم الملل، إلى الزمن الحاضر .





في 18 يونيو 2017 الساعة 30 : 02

أبلغ عن تعليق غير لائق


3- رمضان الماضي

هدى

فرق كبير بين رمضان الماضي ورمضان الحاضر في المدينة القديمة.شكرا للكاتب على نقل رمضان في الماضي بهذه الذكريات الحلوة

في 19 يونيو 2017 الساعة 33 : 12

أبلغ عن تعليق غير لائق




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا

قوة التغيير - فيصل العمراني

أذكروا ولاتـــكم بخير.. !! - محمد سدحي

انحســــــار السياســـــــــة - عبد القادر زعري

قوة التغيير 2 - فيصل العمراني

هل تعود طنجة سياحية ؟ - خالد الرابطي

الوزير الخلفي يصب "الخل" في... !! - محمد سدحي

مساجد المشاكل ومشاكل المساجد - يوسف شبعة

أسرى العهد الجديد - حمزة البقالي

"نوض تقرى" وبجانبها أشياء أخرى.. - يوسف شبعة

هل تحتكر الأحزاب السياسية ممارسة السياسة ؟ - عبد القادر زعري