طنجة24_التربية الأسرية وسؤال التنشئة - ذ . رضوان بنصار



التربية الأسرية وسؤال التنشئة

ذ . رضوان بنصار
أضيف في 2 دجنبر 2017 الساعة 11:44

لقد كان وما يزال الفرد هو الأساس الذي يساهم في بناء المجتمعات وتطورها، إلا أن الأسرة تظل بمثابة الحضن أو الوسط الحيوي الذي يستمد منه- هذا الفرد - قوته وتوازنه ، حيث يأخذ خصائصه الأولى منها، ويتطبع بطباعها، ويتأثر بتربيتها، من هنا وجب طرح الإشكال التالي : هل الأسرة فعلا يمكنها أن تلعب دورا تربويا يُمكِّنها من  توجيه أبنائها الوجهة الصحيحة ، أم أن دورها يبقى دورا ثانويا في ظل وجود مؤسسات اجتماعية أخرى باستطاعتها أن تعوض دور الأسرة في التربية والتنشئة؟ .

مما لا شك فيه، أن الأسرة المكونة من الأبوين هي أقدم مؤسسة اجتماعية للتربية، كما أن الاستقرار الأسري يعد الركيزة الأساس في تطور الحياة البشرية وبناء المجتمعات، إلا أننا اليوم نواجه تحديات جمة تجعلنا في صراع دائم ومرير مع وسطنا الاجتماعي، جراء ما تعانيه الأسر من ضعف في التأطير التربوي، الذي نتج عنه فقدان هذا الجيل للمناعة الأسرية، التي تقيهم  آفة الإدمان والانحلال الأخلاقي .

إن الصراع الذي يطفو على السطح بين الوالدين تكون له انعكاسات خطيرة على البنية الأسرية،       ولا سيما، الأبناء، الذين يتجرعون مرارة ذاك الصراع الذي يشبه  الحرب الباردة بين الزوج والزوجة ، حيث يحاول كل واحد منهما الإطاحة بالآخر ، عن طريق تشويه الأم، مثلا ، لصورة الأب أمام أبنائه والاستهزاء به ،والعكس صحيح، أو حين يُحوِّل الأب المُتسَلّط، الذي يكون تحت تأثير الكحول والمخدرات والمدمن كذلك على لعب القمار واليانصيب ، البيت حلبة لصراع حقيقي ، حيث تصير الأسرة مرتعه الوحيد الذي يصب فيه جَامَّ غضبه، ويطلق العنان لمكبوتاته التي تنامت وتضخمت بداخله، جراء ما يصاحب تلك الممارسات الدونية من اضطرابات سلوكية وأزمات نفسية ،التي يريد الأب أن يتخلص منها بإثارة الفوضى ، واللجوء إلى لغة القمع والعنف ، غالبا ما تكون الأم ضحيته الأولى ، ليمتد الأمر إلى باقي أفراد الأسرة ،كالأبناء ، الذين يشاهدون بالعين المجردة أطوار التعذيب الجسدي والنفسي الذي تكون الأم عرضة له ،ناهيك عن وابل  من الشتائم  والسب، الذي يصير اللغة الطبيعية المتداولة داخل البيت، فأمام هذه الخروقات ، والتوتر الذي يخيم على كل ركن من أركان البيت ، تصير الأسرة مفككة على جميع المستويات ، وخصوصا الأبناء الذين يقللون احترامهم وتقديرهم للوالدين ، حيث يُحملونهم المسؤولية كاملة للنكبات والتصدع الذي يضرب وسطهم العائلي، بالإضافة إلى إحساسهم بالغبن والتذمر حين يصيرون أداة للتجاذب بين طرفي النزاع – الأب والأم - ، أما في حالة حدوث انفصال بين الزوجين، فما لنا إلا أن نقرأ الفاتحة على كل فرد من أفراد هذه العائلة ، وخصوصا الأبناء الذين يؤدون فاتورة هذا الانشقاق الأسري بجعلهم عرضة للشارع ، حيث يصبح الإدمان والتشرد ورفقاء السوء معيلهم الوحيد ، إلا من رحم ربي بطبيعة الحال.

وقد نجد بعض الأبناء يتعرضون  للتفريق والتمييز بينهم من قبل الآباء، كأن نجد بعض الأسر تميل للبنين وتوفر لهم الرعاية والحماية الكاملة على حساب البنات، والعكس صحيح، ما يخلق نوعا من العدوانية والغيرة المبالغ فيها ، وهذه الغيرة قد تدفع الطفل إلى التخريب، ويتبنى سلوكا انتقاميا ، والتبول اللاإرادي ، وانعدام الثقة بالنفس، ومن جهة أخرى نجد بعض الأسر التي رُزقت بطفل واحد، تحيط هذا الأخير بالرعاية والدلال المفرط الذي قد تكون له انعكاسات خطيرة على سلوكه وتربيته ، فحين لا تلبى مطالبه غير الواقعية، يميل الطفل إلى التمرد وإلى فرض الذات على المنزل والأسرة في نفس الوقت، كما أنه يصير سريع الغضب لأتفه الأسباب ، ومثل هذه الحالات غالبا ما تتصف بالجبن والانطواء سواء داخل المؤسسة التعليمية أو في الشارع. من هنا وجب حرص الأبوين على تأدية أدوارهما التربوية على أحسن وجه، وأن تكون الأسرة واعية كل الوعي بدورها الرسالي ، الذي لا يقل عن دور المؤسسات التعليمية ، ومجالس الوعظ والإرشاد ، وباقي المؤسسات التربوية الأخرى، فإن صلحت الأسرة صلح الفرد والمجتمع، لأن الأسرة هي التي تلقن الفرد الدين والأخلاق والعادات والتقاليد، فما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه ويُنصِّرانه ويُمجِّسانه، مصداقا لقوله عليه الصلاة والسلام، فما علينا- نحن الآباء- إلا أن نمتثل للخطاب الديني الذي يوصينا بضرورة تلقين أبنائنا التربية الصحيحة التي تحقق هدف الإسلام، كأن ينشأ الطفل في بيت أقيم على تقوى الله وتحكيم شريعته ، وأن يقتدي ويَتَشرَّب أخلاق وعادات وتقاليد أبويه النابعة من ثقافة إسلامية، وأن يتجنب الآباء حل خلافاتهم ونزاعاتهم بحضور فلذات أكبادهم، لأن صراخ الأبوين  وشد الحبل بينهم، يشكل صدمة للطفل، ولاسيما ، على المستوى النفسي .

وخلاصة القول أن الأسرة في وقتنا الراهن تخلت عن دورها التربوي، لصالح مؤسسات وجهات أخرى، مع العلم أن على الكل أن يتحمل مسؤوليته فيما آلت إليه أوضاع التربية في بلدنا، فيكفينا انفلاتا أمنيا وأخلاقيا وتربويا الذي أضحى عرضة له أبناؤنا في عصرنا الحالي، والذي انعكس بدوره على المجتمع عامة، والمنظومة التربوية بصفة خاصة.   

 



تعليقات الزوّار
الآراء الواردة في التعليقات تعبر عن آراء أصحابها

1- جهل الاسر بمسؤوليتها التربوية

م.م

أشاطرك الرأي أستاذ رضوان فالكثير من الاباء والامهات اقدموا على الزواج دون ان يدركوا ان من واجبهم حسن تربية ابنائهم حيث يظن الكثير منهم جهلا ان مسؤوليتهم تنحصر في توفير المأكل والمشرب والمسكن .أما التربية فهي من مهام المدرسة .دون ان ننسى تفشي الامية والجهل في المجتمع المؤديتين إلى عدم معرفة طرق التربية الصحيحة مما يفتح المجال لجهات اخرى لتلقين الابناء تربية غير امنة كالشارع ووسائل التواصل اللاجتماعي بخيرها وشرها .بينما في الحقيقة فإن الاسرة هي المنبع الرئيسي والاولي لتلقي التربية الحسنة وتبقى المدرسة مكمل ومدعم لدور الاسرة .وقد ورد في حديث شريف عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال "أكرموا أولادكم واحسنوا أدبهم "

في 07 دجنبر 2017 الساعة 22 : 20

أبلغ عن تعليق غير لائق




أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا

قوة التغيير - فيصل العمراني

أذكروا ولاتـــكم بخير.. !! - محمد سدحي

انحســــــار السياســـــــــة - عبد القادر زعري

قوة التغيير 2 - فيصل العمراني

هل تعود طنجة سياحية ؟ - خالد الرابطي

الوزير الخلفي يصب "الخل" في... !! - محمد سدحي

مساجد المشاكل ومشاكل المساجد - يوسف شبعة

أسرى العهد الجديد - حمزة البقالي

"نوض تقرى" وبجانبها أشياء أخرى.. - يوسف شبعة

هل تحتكر الأحزاب السياسية ممارسة السياسة ؟ - عبد القادر زعري