طنجة24_انحســــــار السياســـــــــة - عبد القادر زعري



انحســــــار السياســـــــــة

عبد القادر زعري
أضيف في 02 ماي 2012 الساعة 14:32:22

بقلم : عبد القادر زعري


يسود الاعتقاد و مند 10 سنوات أو يزيد ، بأن مجال الحديث في السياسة قد توسع و يزداد توسعا مع توالي الأيام و تزايد " الانفتاح الديمقراطي " . و الحقيقة أن العكس هو الحاصل. كيف ذلك ؟

منذ حلول العهد الجديد وعقب وفاة المرحوم الحسن الثاني و الشهادات تتوالى من قدماء الساسة و النضال، سواء منهم من ذاق السجون و التعذيب ، أو من داق مرارة النفي، أو من اختار الصمت سبيلا للنجاة، شهادات تشيد بالحرية السياسية التي تعيشها المملكة، و أنه أصبح المرء يعيش انفراجا لا مثيل له، و أنه يمكن للإنسان أن يتحدث في أي موضوع سياسي، فلا رقابة و لا مقص و لا خوف من تلك الأجهزة التي هالت و جالت بين المعارضين، خطفا و تعذيبا و اعتقالا.

أجمع الكل على أن العهد الحالي أحسن من العهد السابق، و زادت قوة هذا الاستنتاج مع توالي المبادرات و التي كان آخرها تقديم دستور جديد للمملكة نال التصويت الإيجابي من طرف الأغلبية الساحقة المشاركة في الاستفتاء لعالم 2011.

وبالنسبة للمواضيع السياسية فإنه ينبغي التمييز بين نوعين من المواضيع ، الأول ما يتعلق بأصول اللعبة السياسية و شروط الدخول إليها و الاستفادة مما توفره من مزايا.

و النوع الثاني فهو ما يتعلق بما هو دون ذلك.

فالانفتاح حصل في النوع الثاني، بينما كان نصيب النقاش في النوع الأول الانحسار التدريجي إلى درجة الاختفاء أو ما يقاربه.

إنه و منذ فجر الاستقلال كان النقاش السياسي يدور حول مواضيع سياسية كبرى ، مثل طبيعة النظام السياسي للمملكة و طبيعة الحكم ، و هندسة توزيع السلطة ، و شكل الدستور و الجمعية التأسيسية التي يفترض فيها القيام بصياغة مشروع بعد أن تكون عناصرها منتخبة ديمقراطيا.

كان النقاش السياسي يتناول كبرى القضايا و أصول الأشياء ، و لم يكن يجدي السلطة المركزية لمواجهة ذلك، القمع و حده، بل كان حبل التواصل مستمرا و ساخنا بين القصر و قادة المعارضة حتى في أوقات الحرج و انتصاب المحاكمات و حركة آليات الاختطاف و التعذيب و التصفية الجسدية.

و لم يكن علو سقف الساسة المعارضين وليد تأسيس أحزاب معارضة ، بل كان ذلك نتيجة احتكاك العديد من الزعماء و القادة بالحماية و أساليب المقاومة العسكرية و السياسية، فهؤلاء عايشوا مراحل انحسار الحماية و رحيلها، وكذلك عايشوا الخطوات الأولى التي خطتها المملكة نحو تدشين عهد المؤسسات ، فكان عاديا أن يواجهوا القصر بمطالبهم و التي تجسد رؤيتهم للأمور و تصوراتهم لشكل الحكم و أسلوبه المرغوبين.

فالجرأة في تناول تلك المواضيع اكتسبت من شرعية شعبية مستمدة من مقاومة الاستعمار و من تجذر في صفوف الشعب.

و لم يكن يدر في حسبان أولئك الزعماء بأن القصر كان يخطط لساحة لا ترفع فيها أصوات بالنقاش في تلك المواضيع، فانقسم أولئك الزعماء بين سجين و منفي و صامت يراقب، و بالمقابل سمح للآخرين بالعمل المشروع بعد مراجعات فكرية أدت إلى القبول بأصول اللعبة كما حددها القصر، و العمل من داخل المؤسسات التي أوجدتها الدستاتير المتعاقبة أو تلك التي يبادر الملك إلى تأسيسها لمواجهة مشاكل طارئة.

و حتى فصائل المعارضة اليسارية العاملة في إطار اللعبة السياسية كانت تثير مواضيع تقارب في درجتها النوع الأول من المواضيع و المتعلقة بأصول اللعبة، فقد كانت هذه الأحزاب سواء عبر صحافتها أو عبر البرلمان لا تتردد في انتقاد الخيارات الاستراتيجية للسلطة المركزية، و كان الحرج الذي تسببه يدفع بالأجهزة المعلومة إلى إعداد الملفات المشبوهة للقادة المعارضين ، لإسكاتهم أو ربح أراءهم كلما اقتضى الأمر.

و اليوم نجح القصر في سحب كل المواضيع السياسية المتعلقة بأصول اللعبة و القرارات الاستراتيجية للمملكة ، من دائرة النقاش فالدستور مثلا لم يعد بالإمكان النقاش حول من له حق صياغته و اقتراحه على الشعب، و نظام الحكم أصبح بديهيا و لا تقبل أي مناقشة حوله، و القطاعات الاستراتيجية و التي تذخل في

دائرة اختصاص القصر ، أصبحت حقا مفروغا منه للملك. بل و حتى نظام الاقتراع أصبح النقاش حوله محصورا بين وزارة الداخلية و مستشاري الملك، وما على الأحزاب إلا تعديل التفاصيل المجهرية.

أصبح كل ما هو حيوي بيد الملك بدون نقاش، وبقي غير ذلك للنقاش و أي نقاش ، إبداء آراء متشابهة تتداولها أحزاب اليمين قبل اليسار، حول التدبير الحكومي و تصريحات الوزراء و هفوات المسؤولين من درجة أقل. و ما تتداوله الجرائد خير دليل على جفاف النقاشات و قحط المواضيع السياسية المسموح بها.

إن نزع الطابع السياسي عن موضوع ما و تحويله إلى بديهة هو بمثابة نزع سلاح المعارضة، فكل نظام سياسي حينما يواجه مطالب تهدف إلى خلخلة توازنه، فهو يعمد إما إلى احتواء تلك المطالب بعد تنقيحها من العناصر المتطرفة، و إما إلى إهمالها التدريجي و إما يعمد إلى توظيف الرموز التاريخية و الثقافية للإيحاء بان تلك المطالب تتعارض و طبيعة الأمور الجاري بها العمل من طرف الكيان الاجتماعي الحاضن للكيان السياسي.

و عليه فإن النظام السياسي في المغرب ، و لمواجهة تلك النقاشات التي كانت تستهدف الأصول العامة للحكم و منزلة الملك في النسق السياسي ، عمد بالإضافة إلى وسائل القهر المتوفرة ، إلى توظيف التاريخ و الدين و العرف ، من أجل سحب المواضيع المتعلقة بالملامح الكبرى للحكم، من دائرة النقاش ،و تحويل الاهتمام نحو مناقشة كل ما يتعلق بغير الملك.

و هكذا أصبح الدين الرسمي للدولة و نظام حكمها ، و اختصاصات الملك في وضع الدساتير و هندسة الحكم و الاستئثار بكل ما هو حيوي و استراتيجي، من الأمور البديهية الناتجة عن ثقافة سياسية متراكمة منذ عدة قرون.

و لم يقتصر الأمر عن ذلك الحد، بل أصبحت مساحة المواضيع السياسية الممنوعة من التداول تتسع شيئا فشيئا، لتصل إلى منع مناقشة عدة مؤسسات دستورية ، كما أصبح تناول تقييم وظيفة مؤسسات أخرى يقع تحت طائلة المساءلة القضائية.

لهذا تأثرت الساحة السياسية باتساع دوائر المنع، ومعها تأثرت الصحافة الحزبية و المنتقلة على سواء، بعدما أصبحت الساحة ملغومة بالمواضيع التي تؤدي إلى السجن و الغرامات الخيالية ، و المنع من ممارسة المهنة .

و يمكن معاينة هذا الاتساع التدريجي لمساحة المواضيع السياسية في الشعارات المرفوعة في أوقات الاحتجاج الشعبي ، حيث تدور كل تلك الشعارات حول مستوى المعيشة و مكافحة الفساد وضرورة رحيل شخصيات عمومية. أصبحت الشعارات إذن تتناول التفاصيل الصغيرة ، دون النفاذ إلى مساءلة الاختيارات الكبرى و القرارات الاستراتيجية التي يعاني القسم الأوسع للشعب من مضاعفاتها.

لا علاقة إذن تربط الواقع الحالي للنقاش ، بما كان عليه الحال قبل عقود. كان النقاش يتداول الجمعية التأسيسية كخيار لوضع الدستور و الملكية البرلمانية كنظام للحكم ، و العدالة في توزيع الثروة و ضمان حق التعليم و الصحة للجميع، و اقتضى كل ذلك لتظهر مطالب أخرى مثل التدبير الرشيد و الحكامة و ضمان المساوات لكن في حدود ما هو ممكن من إمكانيات بالنسبة للصحة و التعليم.

كان النقاش ساخنا حول كبرى القضايا التي تشغل السياسيين في دول مثل المغرب، و أضحى النقاش هادئا يدور حول ما يمكن لحكومة محدودة الصلاحيات أن تقوم به في واقع سياسي يمتلك فيه الملك كل وسائل السيطرة و التحكم.

أصبح كل ما يمكن تناوله بالنقاش لا يتعدى تقويم المبادرات الملكية و اختياراتها و مدى تطابق جهود الحكومة و الفاعلين السياسيين معها.

نجح النظام السياسي إذن في سحب كل موضوع يمس أصول اللعبة . و للملك إذن أن يبادر و للباقي أن يتأسوا بالاتباع.

و لكل رافض لهذه البديهيات مصارعة حصار التهميش.

 

 





أضف تعليقك على المقال
*المرجو ملئ جميع الخانات و الحقول الإلزامية المشار إليها بـ

* الإسم
* عنوان التعليق
* الدولة
* التعليق




أقرأ أيضا

قوة التغيير - فيصل العمراني

أذكروا ولاتـــكم بخير.. !! - محمد سدحي

قوة التغيير 2 - فيصل العمراني

هل تعود طنجة سياحية ؟ - خالد الرابطي

الوزير الخلفي يصب "الخل" في... !! - محمد سدحي

مساجد المشاكل ومشاكل المساجد - يوسف شبعة

أسرى العهد الجديد - حمزة البقالي

"نوض تقرى" وبجانبها أشياء أخرى.. - يوسف شبعة

هل تحتكر الأحزاب السياسية ممارسة السياسة ؟ - عبد القادر زعري

"الله يحد الباس" - خالد الرابطي